مجمع البحوث الاسلامية

379

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

والتّقدير : وما أرسلنا من قبلك بالبيّنات والزّبر إلّا رجالا ، حتّى لا يكون ما بعد ( الّا ) معمولين متأخّرين لفظا ورتبة ، داخلين تحت الحصر لما قبلها ، وهذا حكاه ابن عطيّة عن فرقة . والوجه الثّاني : أن لا ينوي به التّقديم ، بل وقعا بعد ( الّا ) في نيّة الحصر ، وهذا قاله الحوفيّ والزّمخشريّ ، وبدأ به قال : تتعلّق ب ( ما أرسلنا ) داخلا تحت حكم الاستثناء مع رجالا ، أي وما أرسلنا إلّا رجالا بالبيّنات ، كقولك : ما ضربت إلّا زيدا بالسّوط ، لأنّ أصله ضربت زيدا بالسّوط ، انتهى . وقال أبو البقاء : وفيه ضعف ، لأنّ ما قبل ( الّا ) لا يعمل فيما بعدها ، إذا تمّ الكلام على ( إلّا ) وما يليها ، إلّا أنّه قد جاء في الشّعر . [ وبعد أن استشهد به أضاف : ] وهذا الّذي أجازه الحوفيّ والزّمخشريّ لا يجوز على مذهب جمهور البصريّين ، لأنّهم لا يجيزون أن يقع بعد ( الّا ) إلّا مستثنى أو مستثنى منه أو تابعا ، وما ظنّ من غير الثّلاثة معمولا لما قبل إلّا قدّر له عامل . وأجاز الكسائيّ أن تقع معمولا لما قبلها منصوب ، نحو ما ضرب إلّا زيد عمرا ، ومخفوض نحو ما مرّ إلّا زيد بعمرو ، ومرفوع نحو ما ضرب إلّا زيدا عمرو . ووافقه ابن الأنباريّ في المرفوع ، والأخفش في الظّرف والجارّ والحال . فالقول الّذي قاله الحوفيّ والزّمخشريّ يتمشّى على مذهب الكسائيّ والأخفش ، ودلائل هذه المذاهب مذكورة في علم النّحو . وأجاز الزّمخشريّ أن يكون صفة ل « رجال » أي رجالا ملتبسين بالبيّنات ، فيتعلّق بمحذوف . وهذا وجه سائغ ، لأنّه في موضع صفة لما بعد « الّا » ، فوصف ( رجالا ) ب ( نوحى إليهم ) ، وبذلك العامل في ( بالبيّنات ) كما تقول : ما أكرمت إلّا رجلا مسلما ملتبسا بالخير . وأجاز أيضا أن يتعلّق ب ( نوحى إليهم ) ، وأن يتعلّق ب ( لا يعلمون ) . قال : على أنّ الشّرط في معنى التّبكيت والإلزام ، كقول الأجير : إن كنت عملت لك فأعطني حقّي ، وقوله : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ اعتراض على الوجوه المتقدّمة ، يعني من الّتي ذكر غير الوجه الأخير . ( 5 : 494 ) نحوه الآلوسيّ . ( 14 : 148 ) الطّباطبائيّ : ( بالبيّنات والزّبر ) متعلّق بمقدّر يدلّ عليه ما في الآية السّابقة من قوله : ( وما أرسلنا ) ، أي أرسلناهم ( بالبيّنات والزّبر ) ، وهي الآيات الواضحة الدّالّة على رسالتهم ، والكتب المنزّلة عليهم . وذلك أنّ العناية في الآية السّابقة ، إنّما هي ببيان كون الرّسل بشرا على العادة فحسب ، فكأنّه لمّا ذكر ذلك اختلج في ذهن السّامع أنّهم بما ذا أرسلوا ؟ فأجيب عنه فقيل : بالبيّنات والزّبر . أمّا ( البيّنات ) فلإثبات رسالتهم ، وأمّا ( الزّبر ) فلحفظ تعليماتهم . وقيل : هو متعلّق بقوله : ( وما أرسلنا ) ، أي وما أرسلنا بالبيّنات والزّبر إلّا رجالا نوحي إليهم . وفيه أنّه لا بأس به في نفسه ، لكنّه مفوّت لما تقدّم من النّكتة . ( 12 : 259 ) نحوه محمّد حسين فضل اللّه . ( 13 : 232 ) مكارم الشّيرازيّ : ( البيّنات ) جمع بيّنة ، بمعنى